حتى يومنا هذا، لا تزال الثقة مفقودة بين مراكز الدراسات والأبحاث والرأي العام في لبنان، على عكس ما هو قائم في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
أما الأسباب فهي متعددة، أوضح عدداً منها كل من مدير «المركز الاستشاري للدراسات» عبد الحليم فضل الله وممثل «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، في ندوة عقدت أمس الأول في مقر مؤسسة الإمام الحكيم في بئر حسن.
وقال شمس الدين إن «مراكز الأبحاث والدراسات في لبنان لا تزال تعبر عن حاجات أطراف خارجية، أو سياسيين محليين، أو مصالح تجارية وإعلانية»، مشيرا إلى أن «بعض المؤسسات الإعلانية تملك مؤسسات لاستطلاع الرأي، وتصدر نتائج تبرر سياساتها المعتمدة في توزيع الدعاية والإعلان، وإنفاق ميزانيات ضخمة من أجل ذلك، وقد لا تكون تلك الوسائل الأكثر حضورا بالنسبة إلى الجمهور».
وأعلن أن «الدولية للمعلومات» بدأت إجراء إحصاء لعدد مشاهدي القنوات التلفزيونية اللبنانية، عبر استخدام تقنية «تليميتر» التي توفر الحصول على معلومات عن البرامج والأخبار الأكثر مشاهدة، بهدف التخلص من الكذبة السائدة.
ورأى أن «المواطن يتحمل أيضا جزءاً من المسؤولية لأنه لا يؤمن باستطلاعات الرأي»، مشيرا إلى أنه تبين بنتيجة استطلاع أجرته «الدولية للمعلومات» أن «نسبة تقارب ثلاثة وخمسين في المئة من المستطلعين لا تعتبر لاستطلاعات الرأي أهمية، وذلك لأسباب عدة، أبرزها: عدم إدراك المسؤولين في لبنان أهمية استطلاع الرأي، وعدم صدق المواطن في الإدلاء برأيه وحقيقة موقفه، وعدم الثقة بالجهة التي تقوم بالاستطلاع».
وأعلن شمس الدين أنه خلال الانتخابات النيابية الماضية، عرض عدد كبير من المرشحين على «الدولية للمعلومات» إجراء استطلاعات مدفوعة الأجر في مناطقهم، من أجل إظهارهم في المراتب الأولى بين المرشحين. وأورد مثالاً عن عدم الثقة في نتائج الاستطلاعات، يتمثل في إجراء مؤسستين مختلفتين استطلاعين للرأي في زحلة قبل الانتخابات، تبين في الأولى أن لائحة المرشح إلياس سكاف سوف تفوز بالمقاعد السبعة، وفي الثانية أن اللائحة سوف تخسر ستة مقاعد من أصل سبعة.
ورأى شمس الدين أن الواقع المتردي، «يؤدي إلى طرح السؤال حول إمكانية التخلي عن إجراء استطلاعات الرأي، وقد يبدو التسليم بذلك الواقع مقبولا للبعض، في حين يسعى البعض الآخر إلى تطوير ثقافة استطلاع الرأي العام، لكي تكون نتائجها منارة ترشد القادة والمسؤولين، ومنبرا للمواطنين للتعبير عن آرائهم بحرية».
من جهته، أوضح مدير «المركز الاستشاري» عبد الحليم فضل الله أن «من أهم العوائق التي تقف في وجه مراكز الأبحاث والدراسات في لبنان هي طغيان التمويل الخارجي لها، ما يجعلها مرتبطة بمصالح الدول التي تمولها، والتمويل المعولم، مثل التمويل الذي يقدمه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أجل تنفيذ برامج معينة، والتمويل من أجل إيجاد حاضنة لأفكار محددة، كالقومية».
وقال إن «التمويل الحكومي لمراكز الأبحاث والدراسات في بلادنا مرتبط بالإصلاح، لذلك فإنه غير موجود أو قليل، لأن الإصلاح غير مطلوب».
وأعلن أن أكثر الدول التي تؤدي فيها مراكز الدراسات دورا هاما في بناء السياسات العامة هي الولايات المتحدة الأميركية، «وقد رأينا تأثير تلك الدراسات في الشرق الأوسط، ومن بينها وثيقة الأمن والسلام». وأوضح أن «السياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة ليست ناتجة فقط من هجوم الحادي عشر من أيلول أو مجيء الرئيس جورج بوش الإبن إلى سدة الرئاسة، وإنما أيضاً وجود دراسات تساهم في توجيه السياسة الأميركية».
وتحدث فضل الله عن «مجموعات التفكير» التي تنامت كثيراً في الولايات المتحدة للتأثير على صانعي القرار، «وهي تعمل في مراكز أبحاث وتشكل مجموعات ضغط في الوقت نفسه». من بين المراكز، ذكر: معهد العلاقات الدولية، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ... وأشار إلى أن «مجموعات التفكير في بلادنا لا يمكنها أداء دورها، من دون تمويل حكومي يجـعلها مستقلة عن التبعية للدول الخارجية».
«السفير»- 11/02/2011